ابراهيم بن عمر البقاعي
41
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
وتارة في فعلية ، وتارة ليس فيها ذكر للعلم ، وأخرى يذكر فيها ، ويسند إليه سبحانه ، لكن لا على وجه الحصر ، وتارة بنفي العلم عن غيره فقط من غير إسناد للفعل إليه ، وعلم سر قوله « بأيّ أرض » دون أيّ وقت ، كما في بعض طرق الحديث . ولما كان قد أثبت سبحانه لنفسه اختصاص العلم عن الخلق بهذه الأشياء ، أثبت بعدها ما هو أعلم منها لتدخل فيه ضمنا فيصير مخبرا بعلمه لها مرتين ، فقال على وجه التأكيد لأنهم ينكرون بعض ما يخبر به ، وذلك يستلزم إنكارهم لبعض علمه : إِنَّ اللَّهَ أي المختص بأوصاف الكمال والعظمة والكبرياء والجلال عَلِيمٌ أي شامل العلم للأمور كلها ، كلياتها وجزئياتها ، فأثبت العلم المطلق لنفسه سبحانه بعد أن نفاه عن الغير في هذه الخمس تارة نصا وأخرى بطريق الأولى أو باللازم ، فانطبق الدليل على الدعوى - واللّه الموفق . ولما أثبت العلم على هذا الوجه ، أكده لأجل ما سيقت له السورة بقوله : خَبِيرٌ أي يعلم خبايا الأمور ، وخفايا الصدور ، كما يعلم ظواهرها وجلاياها ، كل عنده على حد سواء ، فهو الحكيم في ذاته وصفاته ، ولذلك أخفى هذه المفاتيح عن عباده ، لأنه لو أطلعهم عليها لفات كثير من الحكم ، باختلاف هذا النظام ، على ما فيه من الإحكام ، فقد انطبق آخر السورة - بإثباته الحكمة بإثبات العلم والخبر مع تقرير أمر الساعة التي هي مفتاح الدار الآخرة - على أولها المخبر بحكمة صفته التي من علمها حق علمها ، وتخلق بما دعت إليه وحضت عليه لا سيما الإيقان بالآخرة ، كان حكيما خبيرا عليما مهذبا مهديا مقربا عليا ، فسبحانه من هذا كلامه ، وتعالى كبرياؤه وعز مرامه ، ولا إله غيره وهو اللطيف .